أحمد بن محمد مسكويه الرازي
124
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق
الاخر ، فافضل الناس أقدرهم على اظهار فعله الخاص ، وألزمهم له من غير تلون فيه ولا إخلال به في وقت دون وقت ، وإذا عرف الأفضل فقد عرف الأنقص على اعتبار الضد . 5 - القوّة العالمة والقوّة العاملة فالكمال الخاص بالانسان كمالان ، وذلك ان له قوتين إحداهما « العالمة » والأخرى « العاملة » ، فلذلك يشتاق بإحدى القوتين إلى المعارف والعلوم ، وبالأخرى إلى نظم الأمور وترتيبها ، وهذان الكمالان هما اللذان نص عليهما الفلاسفة فقالوا : الفلسفة تنقسم إلى قسمين الجزء النظري والجزء العملي ، فإذا أكمل الانسان الجزء العملي والجزء النظري فقد سعد السعادة التامة . اما كماله الأول بإحدى قوتيه ، اعني « العالمة » ، وهي التي يشتاق بها إلى العلوم ، فهو أن يصبر في العلم بحيث يصدق نظره وتصح بصيرته وتستقيم رويته ، فلا يغلط في اعتقاد ولا يشك في حقيقة ، وينتهي في العلم بأمور الموجودات على الترتب إلى العلم الإلهي الذي هو آخر مرتبة العلوم ، ويثق به ويسكن اليه ويطمئن قلبه ، وتذهب حيرته وينجلي له المطلوب الأخير حتى يتحد به ، وهذا الكمال قد بيّنا الطريق اليه وأوضحنا سبله في كتب أخر . « 1 » واما الكمال الثاني الذي يكون بالقوة الأخرى ، اعني القوة « العاملة » ، فهو الذي نقصده في كتابنا هذا وهو الكمال الخلقي ومبدؤه من ترتيب قواه وافعاله الخاصة
--> ( 1 ) . كتاب : الفوز الأصغر ، في طبيعة النفس . وكتاب : ترتيب السعادة ، وكتاب : فوز السعادة .